الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
228
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
الناس في قوله : لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ [ سورة إبراهيم : 1 ] ، فإنهم بعد أن أجمل لهم الكلام في قوله تعالى : وَما أَرْسَلْنا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ [ سورة إبراهيم : 4 ] الآية ، ثم فصّل بأن ضرب المثل للإرسال إليهم لغرض الإخراج من الظلمات إلى النور بإرسال موسى - عليه السّلام - لإخراج قومه ، وقضي حق ذلك عقبه بكلام جامع لأحوال الأمم ورسلهم ، فكان بمنزلة الحوصلة والتذييل مع تمثيل حالهم بحال الأمم السالفة وتشابه عقلياتهم في حججهم الباطلة وردّ الرسل عليهم بمثل ما ردّ به القرآن على المشركين في مواضع ، ثم ختم بالوعيد . والاستفهام إنكاري لأنهم قد بلغتهم أخبارهم ، فأما قوم نوح فقد تواتر خبرهم بين الأمم بسبب خبر الطوفان ، وأما عاد وثمود فهم من العرب ومساكنهم في بلادهم وهم يمرون عليها ويخبر بعضهم بعضا بها ، قال تعالى : وَسَكَنْتُمْ فِي مَساكِنِ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ وَتَبَيَّنَ لَكُمْ كَيْفَ فَعَلْنا بِهِمْ [ سورة إبراهيم : 45 ] وقال : وَإِنَّكُمْ لَتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ مُصْبِحِينَ وَبِاللَّيْلِ أَ فَلا تَعْقِلُونَ [ سورة الصافات : 137 ] . وَالَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ يشمل أهل مدين وأصحاب الرس وقوم تبّع وغيرهم من أمم انقرضوا وذهبت أخبارهم فلا يعلمهم إلا اللّه . وهذا كقوله تعالى : وَعاداً وَثَمُودَ وَأَصْحابَ الرَّسِّ وَقُرُوناً بَيْنَ ذلِكَ كَثِيراً [ سورة الفرقان : 38 ] . وجملة لا يَعْلَمُهُمْ إِلَّا اللَّهُ معترضة بين وَالَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ وبين جملة جاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّناتِ الواقعة حالا من وَالَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ ، وهو كناية عن الكثرة التي يستلزمها انتفاء علم الناس بهم . ومعنى جاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ جاء كلّ أمة رسولها . وضمائر فَرَدُّوا و أَيْدِيَهُمْ و أَفْواهِهِمْ عائد جميعها إلى قوم نوح والمعطوفات عليه . وهذا التركيب لا أعهد سبق مثله في كلام العرب فلعله من مبتكرات القرآن . ومعنى فَرَدُّوا أَيْدِيَهُمْ فِي أَفْواهِهِمْ يحتمل عدة وجوه أنهاها في « الكشاف » إلى سبعة وفي بعضها بعد ، وأولاها بالاستخلاص أن يكون المعنى : أنهم وضعوا أيديهم على أفواههم إخفاء لشدة الضحك من كلام الرسل كراهية أن تظهر دواخل أفواههم . وذلك تمثيل لحالة الاستهزاء بالرسل . والردّ : مستعمل في معنى تكرير جعل الأيدي في الأفواه كما أشار إليه « الراغب » .